ترجيح الرأي القائل بعدم حصر عدد الزوجات
الأدلة على عدم الحصر :
الدليل الأول : قوله تعالى : " وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ " .
الدليل الثاني : قوله تعالى : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ " .
الدليل الثالث :
الدليل الرابع : فعل النبي صلى الله عليه وسلم .
الدليل الخامس : تصحيح أهل السنة لأثر " حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ "
الدليل السادس : عدم وجود دليل صحيح على الحصر .
الدليل السابع : عدم وجود ناسخ لآيات القرآن .
الدليل الثامن : القياس .
الدليل التاسع : شرع من قبلنا .
الدليل العاشر : رفع الإصر والأغلال عنا .
الدليل الحادي عشر : عدم وجود حكمة في الحصر أو التقييد .
الدليل الثاني عشر : عدم وجود حكمة في العدد أربعة .
الشرح :
الدليل الأول : قوله تعالى : " وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ " :
قال تعالى : " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا (22) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (23) وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) " ( النساء ) .
الدليل الثاني : قوله تعالى : " فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ " :
قال تعالى : " وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) " . ( النساء ) .
إن الله تعالى يتكلم عن حقوق اليتامى ـ ذكوراً وإناثاً ـ ولا يتكلم عن الزواج من اليتيمات , وليس المعنى كما يدعي البعض أنه وإن خفتم ألا تؤتوا صداق اليتيمات التي تتولون أمورهن فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنين أو ثلاث أو أربع , فكل التفاسير التي تشير إلى هذا المعنى الركيك باطلة السند , فضلاً عن نكارة متنها ومخالفته للعقل , إذ كيف يخاف الفاجر الذي يعمد إلى تضييع حقوق اليتيمة من عدم القسط إليها ؟ كيف وهو يتعمد الإضرار بها ؟
بل الآية في التقي الذي يكفل يتامى ـ ذكوراً وإناثاً ـ ويخاف ألا يقسط إليهم لانشغاله مثلاً أو انشغال زوجته فأمره الله تعالى بالزواج كي يحسنوا رعاية هؤلاء اليتامى ويقسطوا إليهم .
ولقد قال الله تعالى " اليتامى " ـ ذكوراً وإناثاً ـ ولم يقل ( اليتيمات ) .
أما الفهم السقيم للآية فمردود لأنه سيجعل الكلمات ركيكة يستحيل على أحكم الحاكمين أن يوحي بها إلى عباده .
كما أنه بهذا المعنى سنعمل مفهوم المخالفة ونقول إذا لم تخافوا ألا تقسطوا في اليتامى فلا تنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع , وبذلك يحرم التعدد , وهذا مخالف للقرآن والسنة والإجماع .
كما سنعمل مفهوم المخالفة ونقول : وإذا لم تخافوا ألا تقسطوا في اليتامى فانكجوا ما فوق الرباع , وبذلك يحرم الزواج بأقل من خمسة إذا لم يخف الإنسان من عدم القسط في اليتامى , وهذا أيضاً مخالف للقرآن والسنة والإجماع .
وما أتى مفهوم المخالفة باطلاً إلا لأن المعنى المزعوم كان باطلاً .
كما أنه بهذا المعنى لا يجوز النكاح للمرة الخامسة حتى وإن مات الأربع أو طلقوا .
انظر رسالتي : معنى قوله تعالى : " وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى " .
أما قوله تعالى " مثنى وثلاث ورباع " فالصواب أنها صيغة لا تفيد العدد أو الحصر , بل تفيد الهيئة والمثال والتكرار والكثرة , فضلاً عن أن سياق الآية يجعل صيغة العدل أو العدد تفيد المثال والكثرة .
أما بخصوص الهيئة , فإليكم هذه الأمثلة التي ستبين الأمر إن شاء الله :
المثال الأول : قال تعالى : " الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " [فاطر : 1]
ولا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن مثنى تعني اثنين فيكون عدد الأجنحة جناحين فقط .
كما لا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن مثنى تعني اثنين اثنين , فيكون المعنى ( 2 * 2 ) = 4 أجنحة فقط .
ولا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن ثلاث تعني ثلاثة فيكون عدد الأجنحة ثلاثة أجنحة فقط .
كما لا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن ثلاث تعني ثلاثة ثلاثة , فيكون المعنى ( 3 * 3 ) = 9 أجنحة فقط .
ولا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن رباع تعني أربعة فيكون عدد الأجنحة أربعة أجنحة فقط .
كما لا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن رباع تعني أربعة أربعة , فيكون المعنى ( 4 * 4 ) = 16 جناح فقط .
فهذا فهم باطل شرعاً ولساناً , ولقد كان لجبريل عليه السلام ستمائة جناح .
عَنْ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عز وجل : " فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى " ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم : " رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ " . ( صحيح البخاري , صحيح مسلم , مسند أحمد , مسند أبي يعلي الموصلي , جامع الترمذي , مستخرج أبي عوانة , التوحيد لابن خزيمة , وغيرهم ) .
والسؤال ألا تزيد أجنحة الملائكة على أربعة عندكم ؟
من زعم الحصر سيعارض الحديث السابق وسيعارض اللسان العربي .
قال ابن كثير - رحمه الله - : ( أي : منهم من له جناحان , ومنهم من له ثلاثة , ومنهم من له أربعة , ومنهم من له أكثر ) .
فضلاً عن أنه لو كانت آية سورة النساء تفيد العدد لامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الزواج بعد نزولها , وهذا لم يحدث , وفهم النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على فهم من سواه .
والخلاصة : أن من قال بأن تلك الصيغ تفيد الحصر قد خالف السنة , وطعن في النبي صلى الله عليه وسلم .
المثال الثاني : عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أنه قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قَالَ: مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ " . ( البخاري ومسلم واللفظ للبخاري ) .
فهذه الصيغة تعني هيئة قيام الليل وليس عدد ركعاته .
ولا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن مثنى تعني اثنين فيكون قيام الليل 2 + 2 = 4 ركعات .
فضلاً عن أن ذلك باطل شرعاً , لأنه محالف للسنة , فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل أكثر من أربع ركعات .
كما لا يصح لساناً ( لغوياً ) أن يقال أن مثنى تعني اثنين اثنين , فيكون معنى مثنى مثنى هو ( 2 * 2 ) + ( 2 * 2 ) = 8 ركعات .
فضلاً عن أن ذلك باطل شرعاً , لأنه محالف للسنة , فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل أكثر من ثمان ركعات .
وعلى ذلك فمن قال بأن تلك الصيغ تفيد الحصر فقد خالف السنة .
المثال الثالث : قال تعالى : " قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " [سبأ : 46]
فهذا يعني الحال أو الهيئة وليس العدد , فلا يعني أن يقوم اثنان أو واحد فقط .
وبخصوص الكثرة , فهذا أيضاً معلوم في اللسان العربي , وإليكم هذه الأمثلة :
أب لأولاده : لا تكتفوا بأرض واحدة وازرعوا مثنى وثلاث ورباع .
معلم لمتعلم : لا تكتف بعلم واحد وتعلم اثنين وثلاثة وأربعة .
ناصح لمنتصح : إذا لم يكفك صاحبك فصاحب اثنين وثلاثة وأربعة .
صاحب لصاحبه : خذ من البحر ما شئت قربة أو قربتين .
والسؤال : هل هذه الصيغ تفيد الحصر ؟
فهل يعقل أن يقصد الأب والمعلم والناصح والصاحب العدد أو الحصر أم يقصد الكثرة ؟
وهل يقبل من الابن أن يسأل أباه : وهل يحرم علينا زراعة الفدان الخامس ؟
وهل يقبل من المتعلم أن يسأل المعلم : وهل يحرم علي تعلم العلم الخامس والسادس ... ؟
وهل يقبل من المنتصح أن يسأل الناصح وهل يحرم علي مصاحبة الخامس ؟
وهل يقبل من الصاحب أن يسأل صاحبه : وهل يحرم علي أخذ القربة الثالثة ؟
هذا غباء , لأن هذه الصيغة تفيد الكثرة عند العرب مثل صيغة سبع ومثل صيغة سبعين .
كما أن العرب لا يزيدون عن رباع في كلامهم , فلا يوجد عندهم خماس وسداس , لذلك فإن تلك الصيغة هي من صيغ الكثرة عندهم , والتي هي المنتهى الذي لا يزيدون عليه .
وعلى فرض صحة صيغ خماس وسداس وسباع إلى ما لا نهاية , فهل يريد عاقل ذكر كل تلك الصيغ في الآية ؟
هذا يستحيل , قال تعالى : " وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ " [القمر : 17]
والصواب الاكتفاء بذكر بعض الصيغ .
سؤال آخر : هل تلك الأقوال السابقة مخالفة للشرع أو اللسان ؟
لا , فالأقوال صحيحة غير مخالفة .
هل يحرم تعلم خمسة علوم أو ستة ؟
لا , بل ذلك من الخير .
إذاً فالفهم السقيم هو المخالف للشرع واللسان , فمن حرم تعلم العلم الخامس أو مصاحبة خامس أو زراعة فدان خامس أو نكاح الخامسة فهو المخالف للشرع واللسان .
فضلاً عن أن العدد في القرآن قد لا يفيد الحصر , ومن نظر إلى سياق الآيات سيعلم ذلك .
قال تعالى : " وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " [لقمان : 27]
فهل المعنى أن كلمات الله ستنفد لو أن البحر يمده ثمانية أبحر ؟
هذا الفهم باطل شرعاً ولساناً وعقلاً .
قال تعالى : " اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ " [التوبة : 80]
فهل المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم لو استغفر للمنافقين أكثر من سبعين مرة سيغفر الله لهم ؟
لا , فهذا الفم باطل شرعاً ولساناً وعقلاً .
والخلاصة أن قوله تعالى " مثنى وثلاث ورباع " لا يفيد العدد أو الحصر , بل اعترف دعاة الحصر بذلك .
قال ابن عاشور في تفسيره : ( والآية ليست هي المثبتة لمشروعية النكاح ، لأنّ الأمر فيها معلّق على حالة الخوف من الجور في اليتامى ، فالظاهر أنّ الأمر فيها للإرشاد ، وأنّ النكاح شرع بالتقرير للإباحة الأصلية لما عليه الناس قبل الإسلام مع إبطال ما لا يرضاه الدين كالزيادة على الأربع ، وكنكاح المقت ، والمحرّمات من الرضاعة ، والأمر بأن لا يُخْلوه عن الصداق ، ونحو ذلك .
وقوله : " مثنى وثلاث ورباع " أحوال من " طاب " ولا يجوز كونها أحوالاً من النساء لأنّ النساء أريد به الجنس كلّه لأن ( مِنْ ) إمَّا تبعيضية أو بيانية وكلاهما تقتضي بقاء البيان على عمومه ، ليصلح للتبعيض وشبهه ، والمعنى : أنّ الله وسّع عليكم فلكم في نكاح غير أولئك اليتامى مندوحة عن نكاحهنّ مع الإضرار بهنّ في الصداق ، وفي هذا إدماج لحكم شرعي آخر في خلال حكم القسط لليتامى إلى قوله : " ذلك أدنى ألا تعولوا " . انتهى .
وقال ابن عاشور في تفسيره : ( والظاهر أنّ تحريم الزيادة على الأربع مستفاد من غير هذه الآية لأنّ مجرّد الاقتصار غير كاف في الاستدلال ولكنّه يُستأنس به ، وأنّ هذه الآية قرّرت ما ثبت من الاقتصار ، على أربع زوجات كما دلّ على ذلك الحديث الصحيح : إنّ غيلان بن سلمة أسلم على عشر نسوة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ " . ولعلّ الآية صدرت بذكر العدد المقرّر من قبل نزولها ، تمهيداً لشرع العدل بين النساء ، فإنّ قوله : " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة " صريح في اعتبار العدل في التنازل في مراتب العدد ينزل بالمكلّف إلى الواحدة . فلا جرم أن يكون خوفه في كلّ مرتبة من مراتب العدد ينزل به إلى التي دونها ) . انتهى .
فهذا ابن عاشور قد اعترف أن هذه الآية لا تفيد تحريم الزيادة على أربع , ولكنه أخطأ بعد ذلك واستدل بأثر غيلان بن سلمة وهو أثر باطل , وهذا الأثر هو الذي يفيد تحريم الزيادة على أربع , ولما كان باطلاً فلا يجوز الاستدلال به , لأن ذلك سيحرف حكم الله تعالى في المسألة .
وقيل : قوله تعالى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " يفيد العموم ، أما لفظ مثنى وثلاث ورباع تعداد عرفي لا قيد ، كما يقال خذ من البحر ما شئت قربة أو قربتين أو ثلاثاً .
وقيل : قوله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء" إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: "مثنى وثلاث ورباع" لا يصلح مخصصاً لذلك العموم .
وقيل " فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَاء» إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا. والثاني: أن قوله: «مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ» لا يصلح تخصيصا لذلك العموم
وقيل : صيغة : (( ما طاب لكم )) تفيد العموم ، وأن (( مثنى وثلاث ورباع )) كلمات معدول بها عن أعداد مكررة إلى غير نهاية ذكرت بعد صيغة العموم السابقة الذكر على سبيل المثال لا الحصر والتحديد وأنها بهذا الوضع تفيد رفع الحرج عن المسلم في تزوج من شاء من الزوجات إلى غير حد.
وأقول أن المعنى هو ( وإن خاف الأتقياء ألا يحسنوا رعاية اليتامى ـ ذكوراً وإناثاً ـ لانشغال زوجاتهم مثلاً , فلينكحوا ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع ليقوموا على رعاية هؤلاء اليتامى , وهذا ليس على سبيل الحصر بل على سبيل المثال , فالآية تتكلم عن العدل مع اليتامى وليست تشريعاً في التعدد , كما أن تلك الصيغ لا تفيد الحصر , فضلاً عن أن السياق يدفع الحصر , ولو أراد الله تعالى الحصر لنهى عن ذلك , لا أن يتكلم في رعاية اليتامى , فيفهم الأغبياء أن ذلك في تشريع التعدد أو الحصر , ثم يقلد المغفلون هؤلاء الأغبياء دون تحقيق أو تدبر أو تعقل أو تفكر فيخالفون القرآن والسنة والقياس واللسان والشرائع السابقة ويحرفون حكم الله تعالى في المسألة ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لو كانت الآية الثالة من سورة النساء تفيد العدد وتحدد عدد الزوجات كما زعمتم لأعملنا مفهوم المخالفة ولخرجنا بالتالي :
1 ـ وإن لم تخافوا عدم القسط في اليتامى فلا تنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع , وهذا يعارض قوله تعالى : " وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا " [النساء : 129] , حيث أن الله تعالى شرع التعدد مع عدم العدل مع الحرص عليه .
2 ـ وإن لم تخافوا عدم القسط في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء فرادى وفوق الرباع .
أي يجوز لكم نكاح واحدة ونكاح فوق الاربعة في حالة عدم الخوف من عد القسط , ويحرم عليكم نكاح الواحدة وما زاد عن أربعة في حالة الخوف من عدم القسط في اليتامى .
فهل تقولون بذلك ؟
هذا تحريم لما أحل الله تعالى .
3 ـ وإن لم تخافوا عدم القسط في اليتامى فانكحوا ما لم يطب لكم من النساء فرادى ومثنى وثلاث ورباع وفوق الرباع .
وهذا مخالف للآيات التي تأمر بالزواج من الطيبات اللاتي يقمن حدود الله تعالى .
قال تعالى : " الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ " [النور : 26]
قال تعالى : " عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا " [التحريم : 5]
قال تعالى : " الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " [البقرة : 229]
قال تعالى : " فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ " [البقرة : 230]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدليل الرابع : فعل النبي صلى الله عليه وسلم :
قال تعالى : " لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا " [الأحزاب : 21]
قال تعالى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ " [آل عمران : 31]
ولقد صححت فرقة أهل السنة وغيرها من الفرق الآثار التي تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي عن تسع زوجات ,
ولو كانت آية سورة النساء تفيد العدد لامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن الزواج بعد نزولها , وهذا لم يحدث , وفهم النبي صلى الله عليه وسلم مقدم على فهم من سواه .
والسؤال كيف يجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين أكثر من أربع بدون دليل خصوص ؟ كيف يخالف النص عندكم وهو أولى الناس باتباعه ؟ كيف تستجيزون هذا الفهم السقيم القائم على الموضوعات والجهل بالقرآن والسنة واللسان العربي ؟
لذا أقول : من زعم الحصر فلقد طعن في الإسلام بصنع شبهة ما زال يرددها الكفرة ولم تتم الإجابة عليها بإجابة شافية .
فضلاً عن أنه قد طعن في النبي صلى الله عليه وسلم إذ أنه خالف دليله المزعوم وجمع بين أكثر من أربع بدون دليل خصوص .
والسؤال أين دليل الخصوص الذي يستثني النبي صلى الله عليه وسلم من دليل الحصر المزعوم ؟
وقد يزعم جاهل أن دليل الخصوص هو قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51) لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52) " ( الأحزاب ) .
وأقول :
أولاً : هذا لا يصلح أن يكون دليلاً لاستثناء النبي صلى الله عليه وسلم من مسألة العدد المزعوم , فهل قال الله تعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك النكاح كما شئت ؟
ثانياًً : تلك الآيات ليست في استثناء النبي صلى الله عليه وسلم من الحصر المكذوب , ولكنها استثناء للنبي صلى الله عليه وسلم في الهبة وفي إرجاء الزوجات بل وفي التوسعة التي لنا , فلقد ضيقت الآيات عليه أمر الزواج , فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يحل له غير الأصناف المذكورة , بينما يحل لنا كل الأصناف .
ثالثاً : إن خطاب سورة النساء يشمل النبي صلى الله عليه وسلم , فقد بدأها الله تعالى بقوله " يَا أَيُّهَا النَّاسُ " والسؤال : هل جاء دليل خصوص يسثثني النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الخطاب ؟ هل قال الله تعالى مثنى وثلاث ورباع إلا النبي ؟
لا , إذاً مثنى وثلاث ورباع لا تفيد حصر العدد بأربع زوجات وإلا للزم حصر عدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم بأربع أيضاً .
رابعاً : يوجد فارق زمني بين سورة الاحزاب وسورة النساء , وقد قيل أن الأحزاب نزلت أولاً ثم الممتحنة ثم النساء .
والسؤال : وهل يصلح أن يكون دليل الخصوص متقدم بزمن قبل دليل الحصر المزعوم ؟
هذا بعيد .
خامساً : لقد وقعت غزوة الأحزاب في شوال في السنة الخامسة من الهجرة , وسورة الأحزاب قد نزلت حين وقوع الغزوة أو بعدها بقليل أي في آخر السنة الخامسة من الهجرة أو أول السنة السادسة من الهجرة , وعند أهل السنة وغيرها من الفرق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين سودة وعائشة وحفصة وأم سلمة وزينب بنت جحش رضي الله عنهن قبل دليل الخصوص المزعوم .
والسؤال : هل تزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين أكثر من أربعة ثم نزل دليل الخصوص ؟
هذا بعيد .
رابعاً : تصحيح أهل السنة لأثر " حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً قَيِّمٌ وَاحِدٌ " :
لقد توقفت في تصحيح هذا الأثر , واقرأ رسالة سبب توقفي في أثر ( حَتَّى يَكُونَ قَيِّمَ خَمْسِينَ امْرَأَةً رَجُلٌ وَاحِدٌ ) , وعلى فرض صحته كما تقول فرقة أهل السنة والجماعة , فإن هذا حجة عليهم , لأن الزوج قيم , ولا يقل أحد أن المقصود هو الزنا , لا , فلو كان المقصود الزنا , لقال : ( حتى يكون لخمسين امرأة زان واحد ) , كما أنه قد تقدم في نفس الأثر الكلام عن الزنا أما آخر الأثر فيتكلم عن عدد النساء اللتي يقوم على أمرهن الرجل الواحد , وقد يكون مع الزواج لأن الزوج قيم , وقد رعاية لهن بدون زواج , ومن أراد أن ينفي الاحتمال الأول أو يخصص الأثر بالحتمال الثاني فلا بد له من دليل .
خامساً : عدم وجود دليل صحيح على الحصر :
فالآثار التي يستدل بها دعاة الحصر الطاعنون في النبي صلى الله عليه وسلم باطلة كما ذكرت في فصل مناقشة الآراء الباطلة , كما أن آية سورة النساء تدل على خلاف فهمهم .
سادساً : عدم وجود ناسخ لآيات القرآن :
إن القرآن متواتر ولا ينسخ المتواتر إلا بالمتواتر , ولا يوجد دليل متواتر ينسخ آيات القرآن التي تفيد عدم الحصر .
ولا يظن أحد أنه يوجد دليل صحيح ولكنه غير متواتر , لا , بل لا يوجد دليل صحيح يفيد الحصر , ولكن سنفترض إن وجد أثر يفيد النسخ فلا بد أن يكون متواتراً ومتأخراً عن الآيات .
فضلاً عن عدم وجود حكمة في نسخ تلك الآيات .
سابعاً : القياس :
فالنكاح غير مقيد بعدد وذلك قياساً على ملك اليمين .
ثامناً : شرع من قبلنا :
قال تعالى : " وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا " [النساء : 125]
قال تعالى : " ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ " [النحل : 123]
قال تعالى : " وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (85) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (87) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (88) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90) " ( الأنعام ) .
قال تعالى : " يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) " ( النساء ) .
وشرع من كان قبلنا شرع لنا ما لم يخالف شرعنا , وما دام لم يأت دليل يفيد تحديد عدد الزوجات فلا يستطيع أحد أن يفتي ويحرم ما أحل الله تعالى أو يحدد ما لم يحدده الله تعالى , فنحن مثل الشرائع السابقة , وعدم الحصر من الشرائع السابقة ولم يأت ما ينسخه في شرعنا :
قال تعالى : " وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ " [الرعد : 38]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " قَالَ سُلَيْمَانُ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا، فَلَمْ يَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ، جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَايْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ " . ( صحيح البخاري , صحيح مسلم ) .
تاسعاً : رفع الإصر والأغلال عنا :
قال تعالى : " الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ " [الأعراف : 157]
والسؤال : إذا كان عدم الحصر في الشرائع السابقة , فهل يظن أحد أنه قد تم التضييق علينا ؟
إن هذا يعارض الآية السابقة , بل إن شريعتنا أيسر من الشرائع السابقة , ولقد خفف الله تعالى علينا .
قال تعالى : " يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) " ( النساء ) .
والسؤال : هل الحصر من التخفيف علينا أم من التضييق ؟
عاشراً : عدم وجود حكمة في الحصر أو التقييد :
ما هي فائدة الحصر ؟ وما هي الحكمة منه ؟
إن عدم الحصر هو أنفع للناس من التقييد والحصر , فحاجة الرجال للنساء أشد , وحاجة الرجال لتنوع النساء معلومة , فضلاً عن أن عدد النساء أكبر من عدد الرجال .
الحادي عشر : عدم وجود حكمة في العدد أربعة :
قال ابن عاشور في تفسيره : ( وأمّا الانتهاء في التعدّد إلى الأربع فقد حاول كثير من العلماء توجيهه فلم يبلغوا إلى غاية مرضية ، وأحسب أنّ حكمته ناظرة إلى نسبة عدد النساء من الرجال في غالب الأحوال ، وباعتبار المعدّل في التعدّد فليس كلّ رجل يتزوّج أربعاً ، فلنفرض المعدّل يكشف عن امرأتين لكلّ رجل ، يدلّنا ذلك على أنّ النساء ضعف الرجال . وقد أشار إلى هذا ما جاء في «الصحيح» : أنه يكثر النساء في آخر الزمان حتّى يكون لخمسين امرأةً القيِّم الواحد ) .
تنبيه : هذا الأثر أنا متوقف فيه , كما قلت سابقاً .
وأقول : لا توجد أية حكمة في الانتهاء في التعدد إلى أربع , فليس العدد أربعة سيجمع عدد النساء المفضل لدى الرجل , وليس العدد أربعة سيجمع أنواع النساء التي يحبها الرجل , وليس العدد أربعة سيحل مشكلة كثرة النساء في بعض البلدان .
إن عدد النساء في بعض البلدان أضعاف أضعاف عدد الذكور بحيث لو تزوج كل رجل أربع زوجات ستبقى الكثير بدون أزواج , فيظلمن وتظلم أسرهن , ويظهر الفساد في الأرض .
فهل هذا من الحكمة عندكم , أم أنكم ستبيحون الزيادة على أربع في تلك البلدان ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق