رسالة : بطلان تحديد عدد الزوجات
اختلاف الأمة في عدد الزوجات
كتب : محمد الأنور :
هل يوجد دليل على حصر عدد الزوجات ؟
لقد اختلفت الأمة في عدد الزوجات على أربعة أقوال :
القول الأول : لا يوجد حصر لعدد الزوجات .
القول الثاني :: عدم الزيادة عن تسع
القول الثالث : عدم الزيادة عن ثماني عشرة امرأة
القول الرابع : عدم الزيادة على أربع
وسأذكر الخلاف هنا ثم أناقش الآراء ثم الترجيح بينها إن شاء الله بعد ذلك :
قوم سدى :
قال فخر الرازي: ( المسألة السادسة: ذهب قوم سدى إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد، واحتجوا بالقرآن والخبر، أما القرآن فقد تمسكوا بهذه الآية من ثلاثة أوجه: الأول: أن قوله:«فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النّسَاء» إطلاق في جميع الأعداد بدليل أنه لا عدد إلا ويصح استثناؤه منه، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لكان داخلا. والثاني: أن قوله: «مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ» لا يصلح تخصيصا لذلك العموم ) . ( التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، ج9، ص 142، ناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، 1421هـ - 2000م ) .
ـــــــــــــــــــــــــ
جماعة من الناس :
قال نظام الدين النيسابورى في تفسير غرائب القرآن: ( الثانية ذهب جماعة إلى أنه يجوز التزوج بأي عدد أريد لأن قوله: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء" إطلاق في جميع الأعداد لصحة استثناء كل عدد منه، وقوله: "مثنى وثلاث ورباع" لا يصلح مخصصاً لذلك العموم ) . ( تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، ج2، ص 347، تحقيق: الشيخ زكريا عميران، ناشر: دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان، الطبعة: الأولى، 1416هـ - 1996م ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قال ابن عاشور في تفسيره : ( ومن العجيب ما حكاه ابن العربي في الأحكام عن قوم من الجهّال لم يعيّنهم أنّهم توهّموا أنّ هذه الآية تبيح للرجال تزوّج تسع نساء توهّما بأنّ مثنَى وثُلاث ورُباع مرادفة لاثنين وثلاثاً وأربعاً ، وأنّ الواو للجمع ، فحصلت تسعة وهي العدد الذي جمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين نسائه ، وهذا جهل شنيع في معرفة الكلام العربي . وفي «تفسير القرطبي» نسبة هذا القول إلى الرافضة ، وإلى بعض أهل الظاهر ، ولم يعيّنه . وليس ذلك قولاً لداوود الظاهري ولا لأصحابه ، ونسبه ابن الفرس في أحكام القرآن إلى قوم لا يعبأ بخلافهم ، وقال الفخر : هم قوم سُدى ، ولم يذكر الجصّاص مخالفاً أصلاً . ونسب ابن الفرس إلى قوم القول بأنّه لا حصر في عدد الزوجات وجعلوا الاقتصار في الآية بمعنى : إلى ما كان من العدد ، وتمسّك هذان الفريقان بأنّ النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع نسوة ، وهو تمسّك واه ، فإنّ تلك خصوصية له ، كما دلّ على ذلك الإجماع ، وتطلُّب الأدلّة القواطع في انتزاع الأحكام من القرآن تطلّب لما يقف بالمجتهدين في استنباطهم موقف الحيرة ، فإنّ مبنى كلام العرب على أساس الفطنة .ومسلكه هو مسلك اللمحة الدالّة ) .
الرد :
أين دليل الخصوص ؟
هل تزعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خالفك دليلك المزعوم بدون دليل خصوص ؟
هل فهم النبي صلى الله عليه وسلم من آية سورة النساء حصر عدد الزوجات ؟
هل تزعم أن فهمك لآية سورة النساء مقدم على فهم النبي صلى الله عليه وسلم ؟
أين ذلك الإجماع المزعوم ؟
لقد اختلفت الأمة في ذلك الأمر , ولكنكم تحرفون الإجماع بزعمكم اتفاق الأمة في المسألة .
لقد خالفتم اللسان العربي فضلاً عن مخالفتكم للقرآن والسنة وهذا سيأتي بالتفصيل في فصل الترجيح .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
القاسم بن إبراهيم :
قال الزيعلى الحنفي، في كتاب تبيين الحقائق: ( وقال الْقَاسِمُ بن إبْرَاهِيمَ يَجُوزُ التَّزَوُّجُ بِالتِّسْعِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ ثِنْتَيْنِ بِقَوْلِهِ مَثْنَى ثُمَّ عَطَفَ عليه ثُلَاثَ وَرُبَاعَ بِالْوَاوِ وَهِيَ لِلْجَمْعِ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ تِسْعًا وَمِثْلُهُ عن النَّخَعِيّ وَابْنِ أبي لَيْلَى ) . ( تبين الحقائق شرح كنز الدقائق، ج2، ص 112، ناشر: دار الكتب الإسلامي. - القاهرة. - 1313هـ ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ذكر ابن قدامة في المغني معلقاً على قول المتن : ( وليس للحر أن يجمع بين أكثر من أربع زوجات أجمع أهل العلم على هذا ولا نعلم أحدا خالفه إلا شيئا يحكى عن ابن القاسم بن إبراهيم أنه أباح تسعا لقوله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم " الخ والواو للجمع ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ، وهذا ليس بشئ لأنه خرق وترك للسنة ، فإن رسول الله قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشرة نسوة : أمسك أربعا وفارق سائرهن ) .( المغني لابن قدامة ج6 ص 439 ) .
الرد : بل ما تفعله أنت هو تحريف للسنة والإجماع , فهذا الأثر باطل والعلماء يعلمون ذلك , ولكنهم للأسف يعملون ويستدلون به , فضلاً عن أن الأمة لم تجمع على حصر عدد الزوجات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض الظاهرية :
قال الشوكانى في نيل الأوطار و القنوجى البخارى في الروضة الندية: ( وَذَهَبَتْ الظَّاهِرِيَّةُ إلَى أَنَّهُ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَزَوَّجَ تِسْعًا وَلَعَلَّ وَجْهَهُ قَوْله تَعَالَى «مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ» وَمَجْمُوعُ ذلك لا بِاعْتِبَارِ ما فيه من الْعَدْلِ تِسْعٌ. ( نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقي الأخبار، ج6، ص 289، ناشر: دار الجيل، بيروت – 1973؛ الروضة الندية في شرح الدرر البهية (للشوكاني)، ج2، ص 190، تحقيق: علي حسين الحلبي، ناشر: دار ابن عفان - القاهرة، الطبعة: الأولى، 1999م ) .
ــــــــــــــــــــــــــــ
قال القرطبي : ( وذهب بعض أهل الظاهر أيضاً إلى أقبح منها، فقالوا : بإباحة الجمع بين ثمان عشرة تمسكاً منه بأن العدل في تلك الصيغ يفيد التكرار، والواو للجمع، فجعل مثنى بمعنى اثنين اثنين، وكذلك ثلاث ورباع،وهذا كله جهل باللسان والسنة ومخالفة لإجماع الأمة إذ لم يسمع عن أحد من الصحابة ولا التابعين أنه جمع في عصمته أكثر من أربع ) . أ . هـ . ( تفسير القرطبي , 5/17 ) .
الرد: وهل عدم سماعك يدل على عدم وقوع الفعل أو حرمته ؟
وهل عدم الفعل يدل على الحرمة ؟
إننا نرى بلاداً يفوق سكانها عشرات الآلاف وهي أضعاف مكة والمدينة زمن النبي صلى الله عليه وسلم , ومع ذلك لا نرى فيهم من تزوج ثلاثاً أو أربعاً فهل هذا يدل على حرمة الزواج من ثلاث أو أربع ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعض العلماء :
قال الكاساني علاء الدين في البدائع : ( لا يجوز للحر أن يتزوج أكثر من أربع زوجات من الحرائر والإماء عند عامة العلماء ، وقال بعضهم : يباح له الجمع بين التسع ، وقال بعضهم : يباح له الجمع بين ثمانية عشر ، واحتجوا بظاهر قوله تعالى : " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " الخ فالأولون قالوا إنه ذكر هذه الأعداد بحرف الجمع وهو الواو وجملتها تسعة ، واستدلوا أيضا بفعل رسول الله وأنه تزوج تسع نسوة وهو قدوة الأمة ، والآخرون قالوا إن المثنى ضعف الاثنين والثلاث ضعف الثلاثة ، والرباع ضعف الأربعة وجملتها ثمانية عشرة ، ...) . ( بدائع الصنائع ج7 ص 65 ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيعة والنخعي وابن أبي ليلى والخوارج وبعض الناس :
قال محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام الحنفي : ( وأجاز الروافض تسعا من الحرائر ، ونقل عن النخعي وابن أبي ليلى - أي جواز التسع - وأجاز الخوارج ثماني عشرة ، وحكي عن بعض الناس إباحة أي عدد شاء بلا حصر : وجه الأول : أنه بين العدد المحلل بمثنى وثلاث ورباع بحرف الجمع والحاصل من ذلك تسع ، ووجه الثاني ذلك إلا أن مثنى وثلاث ورباع معدول عن عدد مكرر على ما عرف في العربية ، فيصير الحاصل ثمانية عشر ، ووجه الثالث العمومات من نحو فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، ولفظ مثنى وثلاث ورباع تعداد عرفي لا قيد ، كما يقال خذ من البحر ما شئت قربة أو قربتين أو ثلاثا ، ويخص الأولين تزوجه تسعا والأصل عدم الخصوصية إلا بدليل ، إلى آخر ما أورده ، ثم شرع يقدم أدلته على الحصر بأربع ) . ) شرح فتح القدير ج2 ص379 ) .
قال البخاري في "صحيحه": (باب لا يتزوج أكثر من أربع لقوله: (مثنى وثلاث ورباع) وقال علي بن الحسين: يعني مثنى أو ثلاث أو رباع، وقوله جل ذكره: (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) يعني: مثنى أو ثلاث أو رباع ) .
قال ابن حجر : ( وهذا من أحسن الأدلة في الرد على الرافضة لكونه من تفسير زين العابدين وهو من أئمتهم الذين يرجعون إلى قولهم ويعتقدون عصمتهم ) . ( فتح الباري , 9/139 ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال ابن حزم في المحلى : ( لم يختلف في أنه لا يحل لأحد زواج أكثر من أربع نسوة : أحد من أهل الإسلام وخالف في ذلك قوم من الروافض لا يحل لهم عقد الإسلام ) . ( المحلى لابن حزم ج6 ص 441 ) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال محمد أبو زهرة في الأحوال الشخصية : ( إن بعض الشيعة يجوز الزواج بتسع حرائر لأن معنى قوله تعالى : ( " مثنى وثلاث ورباع " يعني اثنين وثلاثة وأربعة ) . ( الأحوال الشخصية ص 83 ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وقال بعض علماء الشيعة أن التحديد بأربع خاص بالزواج الدائم، أما الزواج المؤقت فإنه غير مشمول بهذا التحديد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يقول إبراهيم بن موسى الغرناطي الشاطبي صاحب الموافقات في كتابه الاعتصام : ( ثم أن بعض من نسب إلى الفرق ممن حرف - من الحرفة - التأويل في كتاب الله تعالى أجاز نكاح أكثر من أربع نسوة إما اقتداءا في زعمه بالنبي حيث أحل له أكثر من ذلك ولم يلتفت إلى إجماع المسلمين أن ذلك خاص به ، وإما تحريفا لقوله تعالى : " فانكحوا ما طاب " الخ فأجاز الجمع بين تسع نسوة في ذلك فأتى ببدعة أجراها في هذه الأمة " . ( الاعتصام ج2 ص 44 ) .
الرد : وهل أجمع المسلمون على الحصر ؟
هذا كذب وتحريف للإجماع , وأشد منه تحريف القرآن بتأويل فاسد وتحريف السنة بنشر الموضوعات والاستدلال بها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أهل السنة والجماعة :
أغلب أهل السنة والجماعة بل أغلب الأمة ذهبوا إلى عدم جواز الجمع بين أكثر من أربع واستدلوا على ذلك بآثار موضوعة وبفهم فاسد لآية سورة النساء , فحرفوا دين الله تعالى , وطعنوا في الإسلام وطعنوا في النبي صلى الله عليه وسلم , إذ أنه قد جمع بين تسع بدون دليل خصوص , وما زالت تلك الشبهة قائمة منذ قرون ولم يستطع أحد الرد عليها بإجابة شافية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
انتهى الفصل الأول
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق